محمد أبو زهرة

1272

زهرة التفاسير

إلى الحقائق الإسلامية ، ليظن فيهم الظن الحسن من لم يعرف مكرهم وكيدهم ، حتى إذا اطمأن الناس إليهم أعلنوا كفرهم ، بعد مظهر الإيمان ليوهموا المؤمنين أنهم كانوا مخلصين في إيمانهم طالبين الحق بهذا الإيمان ، فلما تبين لهم البطلان خرجوا ، فقد يخرج بهذا الخروج ضعاف الإيمان ، ويلقون بذلك بين المسلمين شكا عمليا . وقد حكى اللّه سبحانه وتعالى عمل هذه الطائفة الماكرة الخبيثة فقال عزّ من قائل : وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ أخرج ابن جرير الطبري عن قتادة التابعي أنه قال : « قال بعض أهل الكتاب لبعض : أعطوهم الرضا بدينهم أول النهار ، واكفروا آخره ، فإنه أجدر أن يصدقوكم ، ويعلموا أنكم قد رأيتم فيه ما تكرهونه ، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم » . وأخرج ابن جرير أيضا عن السّدى أنه قال : « قالوا لبعضهم : ادخلوا في دين محمد أول النهار ، وقولوا : نشهد أن محمدا صادق ، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا : إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا ، فسألناهم فحدثونا أن محمدا كاذب ، وأنتم لستم على شئ ، وقد رجعنا إلى ديننا ، فهو أعجب إلينا من دينكم لعلهم يشكّون ، فيقولون هؤلاء كانوا معنا أول النهار فما بالهم ؛ فأخبر اللّه سبحانه وتعالى رسوله بذلك وروى أنهم نفذوا قولهم عملا » والروايات في هذا كثيرة ، وكلها متلاقية في المعنى غير متنافرة . وخلاصتها : أن أولئك المضللين الذين أكل الحسد قلوبهم دعا بعضهم أن يظهروا الإسلام ليبدوا طلاب حقيقة ، فإن رجعوا استطاعوا أن يجتذبوا معهم بعض ضعفاء الإيمان . والمراد بوجه النهار ما يقابل آخره ، وهو أول النهار ، وعبر عنه بالوجه ؛ لأن أول النهار هو وقت إقباله ، والوجه هو مظهر الإقبال ، والوجه أيضا كناية عن الظهور ، وأول النهار هو وقت الظهور ووقت الوضوح ، بعكس آخره .